"كيمياء المكان" من انجاز:الحسين أعزاب







كيمياء المكان

في ديوان "المتعبون" (1)

للشاعرة ثريا ماجدولين



من انجاز : الحسين أعزاب

عندما وقع نص " المتعبون " بين يدي ، استوقفني طويلا  إخراجه الطباعي ،واسهوتني لوحته الشكلية المثيرة بتشابك ألوانها وظلالها ، وامتزاج أشيائها و أشلائها ؛ خطوط ونتوءات و رموز محيلة على كل شيىء.. . أدركت أن هذه العتبة الأولى مرسلة message  مضمخة بالدلالات ، تمارس إغراءها السحري لإنجاز فعل العبور من الخارج إلى الداخل ، من العتبة إلى النص ، ومن العلامة الأيقون إلى العلامة الرمز / اللغة ...

فكان  ذلك العبور ...

أقبلت على قراءة الديوان مرات عدة ،في أوقات وأحوال مختلفة ، وفي كل قراءة ، أكتشف زوايا مبطنة لم أكتشفها في لقاءاتي السابقة ، فوطنت العزم على ممارسة  " لعب " (2) القراءة ، وتجسيد لذة هذا اللعب على الورق ، ونقله من وهم الحضور بالقوة إلى صدق التعين بالفعل...

فكان ذالك اللعب القرائي ...

غير أني فوجئت بتعدد لحظات النص وعوالمه .. وعرفت أن الرحلة ستكون أطول .. فقصرت " لعبي " على السعي إلى كشف " موضوعة " بدت لي طاغية جلية في الديوان ، وهي " سجن " الذات في جحيم المكان ، وفي المنفى بين جدران المدينة ..

وما بقي لي سوى الرجاء أن تكون قراءتي غير مسفة ، وان يكون " لعبي " غير جسور على الأغيار . وقبل الخوض في تجلية " موضوعة" هذه المقالة ( كيمياء المكان ) في الديوان ، أود توضيح بعض القضايا :

1- إن ديوان " المتعبون " هو ثاني ديوان للشاعرة ثريا ماجدولين ، بعد ديوانها الأول " أوراق الرماد ".

2- الديوان معبر بعتباته أو نصوصه المصاحبة ، وهذا الجانب يستحق أن تفرد له دراسة خاصة .

3- تتساوق داخل هذا الديوان " قضايا " و " تيمات " عديدة متمركزة حول عنصر الذات في تعالقها بالآخر على شكل ثنائيات اختلافية أو ائتلافية ، نقدمها على النحو التالي :

الذات /  الآخر ( الرجل )

الذات /  الوجود ( الطبيعة )

الذات /  المدينة ( المكان )

الذات /  اللغة  ( التعبير )

إن الديوان يستحق أن يحظى بدراسة شاملة تأخذ البعد الرؤيوي في اندماج بالبعد اللغوي الرمزي وتدرس مختلف تيماته في انصهارية الرؤية واللغة ..

***************************

صدمة غياب " المكان " أو قساوته في الديوان : 

ان الزمان والمكان متداخلان ، يشكلان بعدين أساسيين من أبعاد الوجود ، يؤطران كل فعل وكل حدث واقعي أو وهمي ، أزلي أو أبدي ، وكل فعل لا يمكن أن يحدث أو يقع خارج الفضاء في بعده المكاني و الزماني . وعليه ، فإن المكان العام في الديوان ليس منفصلا عن الزمان العام المرتبط به . والحديث عنه يسد مسد الحديث عن الآخر / الزمان .

ومن المفيد الإشارة إلى أن مجرد إلقاء نظرة عابرة على عناوين النصوص في الديوان ، يتبين أن الكلام الشعري هنا يتغيا الصدع بقساوة المكان وسلطته القمعية المحبطة للطموح والتوق المشروع للجمال والحقيقة .. ويظهر ذلك من خلال اطراد وتواتر معجم المكان ومرادفاته أو مشتقاته المكونة لعناوين نصوص في الديوان ؛

  ومن ذالك الأمكنة التالية :

المنافي : { صدى المنافي ص 5 }   

النص :  { قصيدة :  الخروج عن النص ص 39 }

وجدة (1) : { قصيدة دقيقة كلام : وجدة ص 47 }

وجدة (2) : { قصيدة مساء سبتمبر : إلى وجدة مرة أخرى ص 59}

المكان : { قصيدة :  ذاكرة المكان ص 71 }

الجمر : { قصيدة : أصدقاء الجمر ص 79 }

ونلاحظ أن كل مكان من هذه الأمكنة العامة  Macro-espace ينتظم مجموعة من الأمكنة الصغرى Micro-espace  ذات أبعاد دالة ...

إن المفردات :  المنافي ؛ النص ؛ الجمر : وردت في عناوين القصائد الكناية أو صفة للمكان العام الواقعي المكرر في النص مرتين ( الى وجدة ... وإلى وجدة مرة أخرى ..) والمستغرق مساحة كبيرة من الحيز الفضائي في النص ( 7 صفحات ) :  (4+3) وهذا المكان العام هو " وجدة " المدينة المعروفة بطقوسها وأجوائها وناسها وتاريخها في المغرب الشرقي ..

من هنا ، ازعم أن " مكان " المدينة " وجدة " هو الفضاء العام الذي ينتظم ويطال باقي الإحالات المكانية الأخرى ... وأن الزمان " الوجدي " هو الإطار الزماني العام المسيج  لباقي الأزمنة النصية الأخرى ... و " وجدة " هي المكان الذي احتضن تجربة الجسد و النص منذ تشكلهما الجنيني... وهو الإطار الفضائي الذي احتوى الذات والقصيدة معا .وتأسيسا عليه ، فإن بين مكان " المنافي " الذي رسم خطوة النص الأولى في الديوان وبين " أصدقاء الجمر " (80) كخطوة أخيرة فيه ، ترتسم شبكة عريضة من أسماء الأماكن العامة كإطارات فيزيقية للأفعال والمواقف وأحوال الذات التي تعلن جنسها الانثوي في قصيدة ( تاء التأنيث ص 9 ) وتصف نفسها بأنها ( إمرأة من قصب ص 27 ) وأنها المتعبة   ( ص 31 ) ومن خلال هذه الصفات المنسوبة للذات من قبل الذات نفسها ينجلي الوجود المأساوي للجسد ، فهو منكسر أوهنه المكان وجعله سهل العطب والانجراح ، وهو متعب ، مكلول من جزاء عنف الرتابة ، وغصة الحصار ..

نستكشف من النص صفات المكان التالية :

" المكان غياب " ، و " ما بين القرب والبعد منفى " و " المكان جمر " و " قلعة تحاصر " ودمعة تنسج لغة الحصار في دم الشعراء ... ولا فكاك للذات من جحيم المكان وعذابه سوى الاحتماء بزمن الطفولة والشعر والطبيعة .. هكذا يتقدم " المكان " في الديوان موصوفا بأنه :

حصار ؛ منفى ؛ جمر ؛ بكاء ؛ سجن ؛ ضيق ...الخ.

تقول الشاعرة :

أعرف أن المكان

أضيق من حزني ( ص .. )

كيف يمكن أن يكون الحزن ضيقا ؟

 وكيف يكون أضيق من المكان ؟

في العبارتين " ضيق الحزن " واضح إذ لا يمكن على وجه الحقيقة والعرف اللغوي أن يكون الحزن ضيقا ... " ضيق الحزن " يعني الاختناق ، وتعذر التنفس الحق  - الطبيعي لكل إنسان – على الذات الحزينة ؛ ذات الجسد الناسج للنصوص ... إن المكان في خطاب النص يستحيل إلى " لا مكان " . إلى العدم و الموت ، حين يكون الموت يعني الحياة بامتلاء ... وهل من الحياة أثمر و أجدى من الحياة بالشعر الذي كان علة لضيق المكان و كان نتاجاّ لجحيمه ؟؟!!

أما في قصيدة ( الخروج عن النص – ص 39 ) ، فإن المقصود بالنص هنا المكان أو الفضاء العام ، يظهر ذالك من خلال هذه الأسطر الواردة في القصيدة المعينة :

أعدو خارج الزمن

خارج الهواء الفارغ

والمكان

إلى أن تقول :

 أعدو خارج الزمن

 أتناسل في المدى

بلا ظل

ولا شمس ( ص40 -41 )

إن الذات الشاعرة تواجه تجربة اللامكان واللازمان ، التجربة القصوى المحولة للزمان والمكان إلى فضاء رمزي / صوفي لا تراه العين العادية ... تدبر عن الزمن والمكان العاديين في اتجاه فضاء اخر تتناسل في مداه الأبدي لتنجب القصائد ، وتلد النص المختلف بصدق رؤاه و لغته .

وهكذا تتدرج القصيدة في مراقي دلالة المكان إلى أن تصل المكان المخصوص المحدد وهو ( وجدة ) لتقول في كلام وجيز معبر في قصيدته " دقيقة كلام " ( ص 47 )

قلب وجدة من حجر

ويداها إعصار وريح

وليس لديها متسع للكلام

في السطر الشعري الأول من هذا المقطع مجاز مرسل قائم على علاقة المحلية ، فليس المقصود ب " وجدة " المكان المجرد العيني  ،بل المقصود سكان المدينة وأهلها .. قلوب هؤلاء من حجر .. والحجر هنا خرج عن الإسمية إلى الوصف ( الصفة ) ومن دلالته :

القسوة – الصلابة – التحجر – التزمت – الاستبداد ... الخ .

وفي السطر الثاني ( يداها إعصار وريح ) تشبيه بليغ أو استعارة تمثيلية إذ تحيل اليد في الخطاب الشعري العربي القديم على الكرم والسخاء ، نقول ( أياد بيضاء ) في قولنا ( له علي أياد بيضاء )

أي فضل كبير ، وكرم كثير ... لكن يدي وجدة " إعصار وريح " لا تبقي على شيىء ، لا تكاد تمنحك شيئا حتى تنزعه منك بالقوة و الجبروت ... يداها للشحَّ و البخل والخواء ....

" و ليس لديها متسع للكلام " ، لا تعرف الحوار ولا تحذق الكلام الدافىء الحاضن .. وتمضي القصيدة ، في صرخة توضح مدى معاناة الذات من جراء خرس المدينة وإقصائها للجسد في غير ما حوار أو كلام .

لعلك

تفتحين بابا للحوار

فهل لديك متسع للكلام ؟

صمتك مرهق

الجسر إليك صار أطول ( ص 48 )

وهكذا تقبل الذات الحوار ، وتعرض رغبتها في ذالك ... وتأمل أن تفسح لها المدينة وقتاً لتشكوها الأكدار والهموم ... ولتقول لها :

الهواء هنا غبار

وألوانك رماد

وأشياؤك كالزكام

وتقول لها ايضا :

أنت دوار

 لا أول له

ولا أخر ( ص 51 )

جسد هذا النص ( دقيقة كلام ) أعلى درجة انفصال الذات عن الموضوع /   المكان ... ويظهر جالياََ أن الذات تعيش تجربة غربة وجدية ونفسية في فضاء مدينة قفراء لا ترحم .. ولا تعرف كيف تحتضن عصافيرها المغردة ولا تملك أذنا لسماع هديلها العذب وسجعها الجميل ...

بدأ يرتسم الانفصال بين القصيدة والمكان وشرعت الهوة تتسع بينهما ( الجسر إليك صار أطول ) بحيث لا يمكن أن يعبر أحدهما الى الآخر إلا بردم هذه الحفر وهو أصبح صعبا ، لكنه غر مستحيل ..

" فهل غدا تتبدل الدنيا

ويزول الصمت الظلام ؟..( ص 49 )

غير أن الخطاب الثاني للمدينة "وجدة مرة أخرى " في قصيدة " مساء سبتمبر " ( ص 51 ) يوضح أن الذات مصدومة ، راغبة عن المدينة أصبحت أشياؤها تافهة وبلا جدوى أو طعم :

"والشمس تبقى كما كانت

تافهة هناك

لم يعد للبرتقال طعم الاشتهاء

ولا لثمرك ذاك البهاء ...

عيناك : فوهتا بندقية

ويومك ملغوم بالجراح

وقلبي لم يعد غير قشرة من زجاج .

إلى هذا الحد تعمقت الهوة بين الذاتين ( المكان / القصيدة ) إذ أصبح يهدد كيان القصيدة بالقتل والغدر .. ولغة النص بنبرة أصواتها ، ووتيرة ايقاعها تعكس سعة الانفصال بين النص و المكان وبين الجسد و الزمان ...

وحيث إن محاولة الذات التحاور مع المكان فشلت مرات عديدة بسبب إصرار المكان على عناده ( وفاقد الشيىء لا يعطيه ) صدت القصيدة عن المكان ، لائذة بالشعر /  القلم الذي لا يحيل على المرجع إلا ليقصيه " خارج المكان " :

خذي أيتها اللغة كل معاني اللوم

القي بها خارجي

واتركي حروفي في الهواء

ترسم انسيابي وتنشر الأقحوان على جسدي

ثم تحملني بعيدا

بعيدا ... خارج المكان . ( ص 34 )

وكما تحتمي القصيدة بالكلام ( لدى موعد مع الكلام ) ، تحتمي أيضا بالطبيعة و الطفولة باعتبارهما زمني البراءة والدفء ، حيث لا شيىء بديل والإخاء والإيثار ... وهذان موضوعان هامان في الديوان يحتاجان إلى دراسة خاصة .




**********************************

(1) ديوان شعر : ثريا ماجدولين – الطبعة الأولى 2000 – مطبعة الجسور – وجدة

(2)  يعتبر نيتشة Nietzsche  في كتابه ( العلم المرح " Gai Savoir  " ص 54 القراءة ضربا من اللعب واللهو .. وفي كتاب " لذة النص Plaisir du texte  " يتحدث رولان بارت عن اللذة والمتعة في القراءة ....

 


 



يتم التشغيل بواسطة Blogger.

أحدث التعليقات

أحدث المواضيع