أطول يوم عمل
لم يترك بلدا إلا زاره؛ كان يتنقل من دولة إلى دولة، من مدينة إلى أخرى، حتى القرى البعيدة استمتع بطبيعتها واستطلع شؤون أهلها.أما بلده، فلم يهتم بأخباره ولا دار من جهته، ظل يصول ويجول؛ إلى أن حط الرحال في فرانس2 أو فرانس5 حيث سهر معهم في البلاطو حتى منتصف الليل أو ينيف.
رن منبه الهاتف المحمول السابعة ذات صباح فبراير البارد فدحرج يده من تحت الغطاء أسكته بها وسحبها إلى تحت الفراش مسجلا درجة الحرارة المتدنية، ثم غطس.. رن المنبه ثانية فأزاح الغطاء قليلا عن وجهه وفتح عينا يتلصص على النور الفائض عبر النافذة، ويتحسس السخونة في كامل جسمه إلا الوجه العاري وعدل على فتح العين الواحدة منكمشا تحت الفراش وهو يتمتم مع نفسه: أي يوم هذا الذي أبدأه بمنبه يهلع في هذا الصباح المثلج، هل أترك هذا الدفء الرحيم وأقوم إلى ذلك الروتين القاتل؛ فطور بروليتاري وهندام الجمعة ومفظحة ونفس الدرس منذ الاستقلال ؟.. كاد أن يستسلم لسلطان النوم لولا هاجس الدرس الماضي وحق التلميذ ونداء الواجب وثقل المسؤولية.. و دون أن يزيح الغطاء على وجهه راح يسأل ويجيب نفسه تحت الفراش : ليكن ما يكون... ثم إن التلاميذ جلهم لا يهتمون سيفرحون بغيابي، وإن هي إلا ساعة أو حصتان يمكن استدراكها. والمدير، الإدارة كلها – في حالة ما إذا انكشفت – لن يفعل شيئا كعادته مع... سأنام وألتحق بعد الاستراحة.. ولم لا شهادة طبية ب 50 درهما من أصل 454.46 درهما أجرة يوم عمل عادي حلال ؟ سأكون قد ربحت 404.46 درهما زائد راحتي، كما أني سأنهض من هذا الفراش الدافئ مع صلاة الظهر لأجمع وجبتي الفطور والغذاء مرة وأوفر ال 10 دريهمات .
دار في الفراش متمرغا يبحث على الجهة المريحة دون جدوى ، رفع الغطاء يراجع الساعة ، لاحظ بأن الحصة الأولى قد نفدت والثانية تركض سريعا وهو يتخبط في الحسابات الفارغة دون نوم أو راحة، وهنا فقد صبره وبدأ يستحضر أصعب السيناريوهات : حضور مفتش المادة ونقطة الترقية المحوج إليها لهذا العام ، الاستفسار واقتطاع يوم الاثنين مع الأحد،،،
وعلى عجل من أمره، غادر الفراش إلى المطبخ حيث تناول ما تيسر من الخبز و لافاش كيري مع حليب سنترال المبستر ، ثم خرج قاصدا أقرب عيادة طبيب شهد له بمرض يتطلب راحة يوم عمل كامل .
ركب تاكسي ولما أدرك الثانوية وجد بابها موصدا ، استغرب الهدوء حولها و فوجئ بعدم وجود أي تلميذ أو تلميذة... كان كل ذلك، يوم عطلة.
بقلم الأستاذ : احمد السقالي